رواية نيران الغيرة نرمين السعيد
رواية نيران الغيرة
مولاي صلي وسلم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم،محمد سيد الكونين، والثقلين، والفريقين، من عرب ومن عجمِ،هو الحبيب الذي ترجى شفاعته لكل هولٍ من الأهوال مقتحم.
اكثرو من الصلاة على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
"لقلبي المشتاق"
استطاع سند تزييف إبتسامة أمام الجميع، نظره لحمد، وقال بصوت مرح:
_مبروك ياحمد، الله يقويك على المسؤولية و أن شاء الله أنت قدها.
حمد بابتسامة:
_الله يبارك فيك ياسند، لو زعلان قول أنت لو جد في موضوع الترشيح أنا معاك ومتشلش هم حاجه.
جاءت سند ليرد قطعه والده:
_ملناش إحنا في المجلس يروح هو المجلس وأنا احتاس في الشغل، لا سند مكانه هنا.
ارتجفت تعبير سند وهو يحاول السيطره على ابتسامته، تحدث بهدوء:
_صح أنا مكانى هنا، أنتَ تصلح عنى أفهم أنا إيه في المجلس و الخطب بتاعت الأعضاء.
عماره بتأكيد، دون أى مراعه لمشاعر والده:
_بضبط هو كده سند ملوش غير في الأرض والمواشي ملوش فى التعامل مع الافنديه و البهوات.
اغمض سند عينه بألم، ثم فتحهم وقال بمرار:
_صح يابا أنا مفهمش غير في التعامل مع الباهيم حمد متعلم ومعه كليه، إنما أنا معايا إيه غير البكالوريا.
شعرت بدر بحزن أخيها، فقالت بدفاع:
_مالك مستقل بنفسك، أنت معاك بكالوريا غيرك ممعهوش حاجه، والله سند لو كان كمل كان هيبقى اشطر وأحسن مهندس فى البلد و المركز كله.
رمقها عماره بضيق وقال:
_لو بقى، قفلوا ع السيره هو يعنى ناقصه حاجه؟!
تبسم سند بسخريه:
_و لا أى حاجه ياحج، زى الفل أهو وكله تمام أنا شبعت فين الحلو يا بدور الفرحه بقت اتنين المحلج الجديد وعضوية المجلس لجوزك عن قريب.
نهضت بدور بخفه، ناسيه حملها وثقل جسدها:
_قوم أغسل ايدك، دانت بذات ليك النانب الكبير كفايه الفكره الحلوه دى و الله لاعملك طبق حلو بايدى يستاهل بقك.
نهض سند و توجها للمرحاض، تتابعه هنوات بنظرات حزن، اشفقت عليه، نسيت ما فعله معها، تألمت بسبب نظراته المنكسره وهو يحاول جاهداً تزيف ابتسامه، رمقت حماها بنظرات غاضبه، لم ينتبه لها يأكل بهدوء وكأنه لم يقل أو يفعل شئ.
تجلس آمنه داخل غرفتها، ترقب المطر من خلف زجاج النافذه، سمعت طرقات على باب الشقه، نهضه لترى من الطارق، سألت قبل أن تفتح:
_مين بيخبط؟
اتاها الرد:
_انا خالتك إحسان يا حبيبتي.
فتحت آمنه الباب وعلى وجهها إبتسامة:
_اهلاً وسهلاً يا حاجه، تعالي اتفضلي وقفه ع الباب ليه؟
قالت إحسان بصوت هادئ حنون:
_يزيد فضلك يا ضنايا، تعالي اتغدي معيا عمك الحاج راح يشوف أخوه عشان تعبان، وأنا ما قدرتش أروح معه بسبب وجع ركبي فقولت بدل ما اتغدى لوحدي وهو كده كده ملوش ميعاد لرجوع اناديلك تفتحي نفسي وافتح نفسك.
ترددات آمنه وقالت:
_معلش اعفينى أنا يا خاله حمد محرج عليا ماخرجكش.
عقدت الحاجه إحسان حاجبيها بضيق وقالت:
_بقى هو قالك ما تخرجيش، ولا حتى تدخلي بيتنا؟
حركت آمنه رأسها بنفي:
_لا هو مجبش سيرتكم تحديداً، هو بس قالى ممنوع تخرجى وأنا مش عايزه أزعله، معلش بلاش المره دي وهو لما يجي هاخد أذنه وابقى اجي أقعد معاكى.
حركت الحاجه احسان رأسها بتفهم وقالت:
_خلاص هاعديها المره دي لحد ما يجيء بس وأنا هاكلمه و أشوفلى صرفه معه، افتحي الباب كله ووسعيلي الدنيا على ماجيب الصينيه واجي، ولا كمان قالك اوعي تدخلي حد.
ضحكت آمنه:
_لا مجبش سيره، أنا عمله غداء ادخلى ونأكل من طبيخى، واهو تقولي رأيك عشان لو في حاجه تنبهيني قبل ما حمد يعيب عليا.
تحدثت إحسان بصوت ضاحك:
_لا من الناحيه دي ما تقلقيش انتى لو عملتيله ساندوتش ميه هيقولك يا محلى أكلك.
ضحكت آمنه وهى تفسح الطريق للحاج إحسان كي تدخل، ارشدتها على مكان طاولة الطعام، ذهبت إليها الحاج إحسان وسحبت مقعد و جلست، تحركت آمنه بخطوه سريعه نحو مطبخها عادت و معها أطباق الطعام وضعت ما تحمله، ثم عادت إلى المطبخ وأحضرت الباقي، جلست وهي تبتسم بدلتها الحاجه إحسان الابتسامه سموا الله وبدأوا بالاكل.
نظره الحاجه إحسان إلى آمنه وقالت:
_بسم الله ما شاء الله، أكلك زي الشهد تسلم يدك.
اتسعت ابتسامه آمنه بسعاده وقالت:
_الف هناء و عافيه على قلبك.
عادت الحاجه إحسان لتناول الطعام و آمنه أيضاً، بعد وقت انتهوا من تناول الطعام حملت آمنه الأطباق إلى المطبخ و ساعدتها الحاج احسان.
فتحت لها آمنه باب الشرفه كي تجلس بها، ثم ركضت عائده إلى المطبخ، أحضرت طبق فاكهه و معه طبقين فارغين و سـ/ـكين، عادت إليها ووضعتهم أمامها وجلست.
بدأت الحاج إحسان حديثها بسؤال قائله:
_قوليلي بقى يا آمنه، انتَ وحمد اتعرفتُم على بعض ازاي؟
كانت آمنه تقطع لها تفاحه وضعتها لها بطبقها و قربته منها، تذكرت تنبيه حمد عليها بعدم ذكرها لتفصيل كثيره عنهم أن سألها أحد، و خصوصاً أن لديه زوجه غيرها، فهو لم يخبر أحد عنه شئ سوا أنه من عائلة كبيره و أنه يعمل تاجر و يسافر كثيراً استغل أن الحاج بعد المقصود غريب ولا يعرف جميع قرى المحافظه فقط المركز الذى يسكن به.
قالت آمنه مبتسمه:
_إحنا من نفس البلد، حمد من عيله معروفه هناك، بس هو طول عمره غاوي السفر و بيتنقل من مكان لمكان، أبويا الله يرحمه كان شغال عنده أنا كنت عارفاه و هو كمان كان عارفني بس من بعيد لبعيد و مره روحت أسأل على أبويا عشان أمي كانت تعبانه فلقيته في وشي و هو بيقول أنه حبني من يومها.
تنهدت الحاجه إحسان وقالت بصوت حنون:
_فكرتيني بأول مره قابلت فيها عمك الحاج عبدالمقصود، هو كان صاحب أخويا إحنا اصلاً مش من هنا أنا من دمياط و عبده من بورسعيد، بيعنا بيتنا هناك و جينا هنا من تلت سنين بس، المهم أكملك أول مره شوفت عمك الحج كان لما جالنا زياره، كنت أنا لسه عيله وقتها عندي اتناشر سنه لا أعرف حب ولا جواز ابيض يا ورد ،طلبني من أبوي و ابويا رفض و قاله البت لسه صغير، قعد خمس سنين يكرر نفس الطلب و يوم ما أبويا وافق قاله خدها خليني اخلص من زنك.
ضحكت آمنه:
_ عنده حق خمس سنين كتير برضك، اومال فين عيالكم مبسمعش غير صوتك انتِ وعمى الحج؟
تبسمت إحسان بسمه صغيره وقالت:
_اصل ما عندناش عيال، ربنا ما ارادش أن يعيشلنا عيال حملت في أول جوازنا والعيل مات و اتكررت كذا مره بس برده كانوا بيموتوا، لفينا على دكاتره كتير رحنا المنصوره وروحنا مصر ماسبناش عياده ولا دكتور إلا مارحناله بس مافيش علاج نافع ولا اي دكتور عارف يعمل اي حاجه، إرادة ربنا وأحنا رضينا و قولنا أكيد هو له حكمه في كده.
شعره آمنه بالندم على سؤالها وقالت معتذره:
_حقك عليا يا خاله و الله العظيم ماكنت أعرف بالله عليكى ماتزعلي مني، أنا كمان أبويا وأمي ماخلفوش غيري و بعد جرى ع الدكاتره ومرمطه، أصل أبويا ماكانش بيخلف و اهم ماتوا وسابوني لوحدي اعتبرني بنتك و ماتزعليش مني.
ابتسمت الحاجه إحسان بحب ومدت يدها تربت على كتف آمنه وقالت:
_حبيبتي أنا مش زعلان قولتلك أنا راضيه بقضاء ربنا، الحمد لله على كل اللى يجيبه واللى يمنعه، وبعدين انتى فعلاً بنتي ربنا يرحم أمك و ابوكى يا قلبي وأنا قولتهالك يوم الفرح أنا أمك و خالتي دي ما اسمهااش ولا حتى حاجه، اسمي أما إحسان سامعه ولا مش سامعه.
تبسمت آمنه، وقالت وهي تحرك رأسها موافقه:
_سامعه طبعاً ياما، ربنا يعوضك خير بعم الحاج هو بالدنيا دي كلها، أنا كمان مش عايزه لا خلف و لا عيال مش عايزه من الدنيا كلها غير حمد و بس.
قالت إحسان بابتسامه جميله مثلها و مثل شخصيتها و روحها الطيبه:
_اللهم آمين يا حبيبتي، ربنا يباركلك فيه، و يبعد عنكم ولاد و بنات الحرام بس ده مايمنعش برده أنك تفرحينا بعيالكم، انتو لسه صغار و جوزك بيحبك و أنا شايفه أنك بتحبيه، أنا حملت عشان أفرح عمك الحاج أربع مرات، و كان املي من الدنيا يعيش عيل منهم يشتال إسمه، انتِ كمان أن شاء الله تجيبي لجوزك العيل اللي يشتال إسمه العيال آه ما بتربطش الواحد بامرأته و الدليل عمك الحاج رغم عجزى أنى اجيبله عيل و أن كل الدكاتره أكدوا أن هو كويس و ممنوش عيب و أن المشكله عندى ماتخلاش عني بردو بس هو اللي أختار بارادته، الحب و الاحترام أهم حاجه بين الواحده وجوزها حافظي عليهم و حافظى على جوزك دلعيه الراجل يحب الست اللى تشاغله خاليكى فرفوشه و خفيفه، لا تلزقى فيه أوى و لا تحرميه و تضربى بوز يخاليه ياخد ديله فى سنانه و يقول يافكيك، خليكي السكن الطيب اللي يهرب من الدنيا كلها ويجيله، خلي بيتكم دافئ بالحب اعملي اللي عليكى و هو لو أصيل هيصونك، واللي شفته من حمد أنه طيب و ابن حلال و حنين انتِ ماتتخيليش عمك الحاج بيحبوا قد إيه وبيشكر فيه إزاي، طب والله يوم ماتجيبي عيل هتكون فرحتي به زي فرحتي باولاد ولادي بالضبط لو كان عندي اولاد.
ضمتها آمنه وهي تحارب دموعها كي تنزل محبه و شفقه على تلك المراه الطيبه:
_أنا بنتك ياما و عيالي هيكونوا احفادك، ماتزعليش نفسك.
ضمتها إحسان، وبدأت تربيت على ظهرها بحنوه، شعرت بالمحبه تزداد لآمنه داخل قلبها و كأنها ابنتها حقاً، هبطت دموعها رغماً عنها ليس حزن لأنها لم تنجب، بالعكس شكر لله على محبه من حولها لها وإرساله لتلك الفتاه الطيبه لتعوضها عن الحرمان من الأبناء عهدت نفسها أن تكون أم لها.
سند يجلس داخل غرفته بهدوء و ينظر للفراغ بغضب شديد، اقتربت منه هنوات وقالت بصوت مهزوز:
_سند.
التفت لها وصاحب بأنفعال شديد:
_عاوزه إيه، حافظ الموشح بتاعك اجوز اخواتك أحسن منك ولاد اعمامك كلهم عندهم فلوس و أرض بالكوم وانتَ فاشل هما عندهم وأحنا ما عندناش حريمهم عندهم دهب و أرض و بيوت و فلوسهم و محدش له سلطه عليها و أنت مرمطون عند أبوك، أيوه أنا مرمطون لا أنا أقل كمان أنا اوحش واحد و أفشل واحد، أنا لا نافع لا اب ولا جوز ولا إبن، حتى ابويا مش حاسس أن فيا حاجه عدله غير أن أنا أشوف له شغله، غير أنى اجيبله فلوس، وفي الآخر ماليش لازمه، ومابفهمش غير في الأرض والبهائب، كأني بهيمه زيهم، ولا كأني ليه، ما هو بيعاملني زي البهايم بالضبط، اشتغل، وأكل، واشرب، وانام، واقوم أشتغل تانى، طور مربوط في الساقيه، لحد حاسس بيه، ولا حد فاهمه ولا حد عاوز يحس، كله عاوز مني، كله عاوز ياخذ، كله عاوز سند يشتغل، ويتمرمط، كله على دماغ سند، ويهين في سند، ويقل من سند أكتر ماهو مقلول منه، عاوزه مني إيه تانى، حلى عني حرام عليكى أنا اللي فيا مكفينى.
لم تتفوه بأي كلمه، فقط اقتربت منه وضمته وهي تبكى، بكى سند وهو يدفعها بعيداً عنه، ويقول بصوت مختنق بسبب البكاء:
_اخرجي يا هنوات، اخرجي وسيبيني لواحدى الله يباركلك ياشيخه لاتخرجي، انا اللي في مكفيني، والله العظيم ماناقص، اي حاجه، عايزه تقوليها أنا عارفها، في إيه لسه ما قلتوش عن نفسي وأنا أقوله، أقولك سيبيني وارجعي دار ابوكى، ذنبك إيه تقعدي انتى هنا تخدمي فيا وفي ابويا وتحسي أنك أقل من بقيه بنات اعمامك، أنا ظروفي كده يا بنت الناس، ومش هتتغير أبويا مش هيسمح باى تغير ولا هو هيتغير، هفضل طول عمري المرمطون بتاعه، روح يا سند، تعاله يا سند، أعمل كذا يا سند، وفي الآخر سند مابيفهمش، سند ماينفعش في حاجه وملهوش لازمه، سند مرماطون، جوزك مرماطون يا هنوات ارتحتي كده.
حركت هنوات راسها بنفي:
_لا ما أرتحتش، ومش هارتاح طول ما أنت كده، ومش عشاني، ومش عشان الحاجات اللي انت قولتها دي، مش عشان أي حاجه تخصني، بس عشانك أنت يا سند، أنت مش وحش، ومش فاشل، ومش مرماطون لأن ده أبوك، وله حق عليك كبرت صغرت هيفضل ابوك، انت طيب وما بتحبش تزعله هو ظلمك آه، بس أنت عمرك ما ظلمته ولا جئت عليه، حقك تزعل، وحقك تتقهر من اللي هو قاله ،عمله، بس انت اللي سمحتله بكده، ودلوقتي جاي تعيط، وتشتكي، أنت اللي وصلته لكده يا سند، ووصلت نفسك للحاله دى، أنت لازم تتغير، لازم تعمل حاجه عشانك وعشان عيالنا، لقدر الله لو حصل أي حاجه و أبوك طردنا الصبح، هنروح فين، هنترمه في الشارع مالناش مكان ولا بيت يلمنا، ولا قرش نتسند عليه، أنت زيك زيهم مش أقل منهم في حاجه، أنت بس اللي مستسلم للوضع اللي أنت فيه، شغل دماغك يا سند، خليك مع ابوك ماتبعدش عنه، بس برده لازم تشوف حالك ، شوف حمد إبن عمك كان بيعمل إيه، كان شغال مع ايوه وبيتعلم في الجامعه، وأول ماخلص اخد حقه فى ورث أمه منه، وما صرفوش ولا ضيعوا زى ما كان الكل بيقولوا أنه هيعمل، بالعكس حافظ عليه واشتغل ببه، وكبر المال، وبقت الأرض أراضي، والبيت بيوت، ده على قول الناس وكلامهم بقى عنده فلوس قد اللي عند ابوه مرتين، ليه أنت كمان ماتعملش كده، أنت مش ليك تلت قراريط حقك في أمك غير دهابها؟
تتنهد سند بغضب، وضرب عمدان الفراش الحديدي وقال:
_ما انتى عارفه اللي فيها، أبويا حاطط أيده عليهم، ولما سألته عن الفلوس اللي بتيجي منهم، قال لي باحوشهملك، ورجع قال لي جوزتك منهم .
جلست هنوات بجواره:
_لا أنت ما تسكتلوش، أعمل له قاعده وشهد عليه عبد الكريم العمده، منه هو العمده يكون شاهد ومنه جوز أختك، يعني مش حد غريب ومننا فينا، أعمل آخر محاوله والمره دي اتمسك أنك تاخذ حقك، أنت كنت ناجح في البكالوريا بتقدير عالي وكان نفسك تخش كليه الهندسه وهو اللي مارضيش وكسر بخاطرك، وضيع حلمك، وبرده استغل حبك في الحاجه دي وخلاك بنتله بيوت كتير، ليه ما تعملش اللي أنت عملته لابوك لنفسك، وزي ما اشتغلت وتعبت له اشتغل وتعب لنفسك، اعمل لينا بيت لو حصل حاجه نلاقيه حته نتلم فيها، أنت شاطر وبتعرف تاخد وتدي مع الناس في الكلام، يعني لو فكرت شويه مش هتغلب تلاقى حاجه مضمونه تجيبلك فلوس، شغل أنت مخك.
لم يرد ظل صامت يفكر في حديثها، عاد إلى ذاكرته حديث صديقه شوقي، هو يعرف أن والده لن ولم يقبل بأي حاله من الأحوال أن يعطيه ارثه من والدته بل هو متاكد انه إذا فعل ما قالته هنوات سيطرده ولن يعطيه شئ، وهو لن يقف أمام والده من أجل قطعه صغيره من الأرض، ويترك كل ذلك الخير من أرض، وأموال، ومنازل، قد تعب فيها مثل والده، واكثر، سوف يأخذ حقه، ويكون له ماله الخاص، ولكن الأمر يحتاج لتفكير جيداً قبل أن يبدأ بالتنفيذ، وبالاخير كل هذا ماله، فإذا أخذ منه القليل لن يؤثر على والده بشيء، هو ما اضطر لذلك لو كان مثل باقي أعمامه لما اضطره لما سوف يفعل.
كان هذا المبرر الذي يقوله سند لنفسه ولضميرك كى يصمت ويكف عن تانيبه، وأن هذه ليست سرقه، كان يصرخ بداخله ويقول، هذا مالي ومال أبي وليست سرقه، هو ليس غريب وأنا لست غريب عنه، أنا إبنه وما ساؤخذه قليل عما أستحق، وكلما صرخ ضميره رافضا لتلك المبررات، كان سند يصرخ بمبرر جديد.
حسم أمره وهو يقول:
_ حقي وهاخده، هو اللي اضطرني لكده، أنا مش أقل من حد فيهم، هما مشفوش اللى أنا شوفته، أبويا خد منى كل حاجه، واللي اتاخد بالقوه وعافيه هاخد شويه منه بذكاء ومن غير ما يحس بحاجه.
______________ #بقلم_برنسيسN
يوم جديد، داخل منزل صالح، يجلس وهو شارد لاحظت والدته فاقتربت منه، جلست بجواره، تمعنت في ملامحه بقلق من صمته، وشروده، حتى طعامه أمام، ولم يتناول منه شيء، غير أنه أخبرها بالصباح أنه لن يذهب إلى المشفى اليوم، فهو يشعر ببعض الارهاق، ولكن إحساسها كأم يقول لها أن هناك أمر آخر هو سبب تغير حال ابنها.
سألته فاطمه بقلق قائله:
_مالك يا صالح؟
انتبه لها صالح، تنهد وقال:
_مفيش ياما، أنا كويس.
نظرت له بصمت، ثم قالت بضيق:
_انت لسه بتفكر في بنت زبيده، حتى بعد ماسمعت كلام الناس عنها، دى طفشت ع المنصوره هربانه من فضايحها، وأنت قاعد حاطط ايدك على خدك وسايب شغلك وقاعد تفكرلي فيها؟!
نفى صالح كذباً وقال:
_إيه ده ياما، لأ وأنا مالى ومالها، خلاص أنا نسيتها وخطبت زى مانتى عاوزه.
انفعلت فاطمه:
_إيه زى مانتى عاوزه دى، هو أنت مكنتش عاوز، مالها مكيدة مش أحسن من سخام البرك، دى واحده مشفتش ربايه ده الناس بيقولوا.
صاح صالح وقاطعها وقال:
_كدابين ياما، آمنه أشرف من الشرف، أنا لو أعرف مين اللى قال عليها الكلام ده، وربى لفصل رأسه عن جسمه، أنا عارف آمنه من وأحنا عيال، عمرها ما تعمل كده، وأنا متأكد دول طلعوا أن بينا حاجه، وده كدب آمنه عمرها مادتنى فرصه اكلمها أكتر من سلام ربنا مبتردش، ولا بتلاغى، والهى ياما مظلومه.
وقفت فاطمه ويديها بخصرها وقالت:
_يعنى إيه ياصالح، بص من الآخر كده آمنه لا وهتجوز مكيدة وده آخر كلام فرحك الشهر الجاى.
اندهش صالح:
_إزاى ياما، لا أنا لسه محتاج وقت، أنا منستش آمنه، حرام اظلم مكيدة، هى ذنبها إيه؟
فاطمه بحده:
_ملكش دعوه بمكيدة، واللى قولته هيحصل، أنت مش هتنسى الهبابه التانيه اللى لما تجوز ويبقالك ست في حياتك، أعمل حسابك بكره هتيجى معايا أنا وابوك هنروح لأبو مكيدة نقولهم على ميعاد الفرح، يلا جهز روحك يا عريس.
تركته وذهبت إلى مطبخها، نار غيرة وحقد تأكل قلبها من آمنه، رغم كل مافعلته، وقالته عليها بالباطل، لا يزال أبنها يحبها، ويدافع عنها، لن تترك له مجال لتفكير بعد الآن، ستفعل أى شىء لتبعد آمنه عن حياته.
بالخارج صالح في قمة غصبه هو الآخر، كان لديه أمل أن يترك مكيدة، رغم أنه أبتعد عن آمنه، إلا أنه دائماً يشعر بالحنين لها، يحبها ولا يرى غيرها زوجه له.
خرج صالح من منزلهم، قاصداً منزل سعيده.
نهضت سعيده من فراشها لترى من الطارق، فتحت الباب، تعجبت حين رأت صالح.
صالح بصوت حزين:
_سلام عليكم يا خاله.
سعيده:
_وعليكم السلام، خير يا صالح، عمك عيد وعثمان في الغيط لو عاوزهم روحلهم.
حرك صالح رأسه بنفى:
_لا أنا عاوزك انتى، ممكن اتكلم معاكى كلمتين؟
ذادت حيرتها، قالت سعيده:
_وماله يابنى روح أقعد، أنا هجيب الشال بتاعى من جوه وجيالك.
تحرك صالح نحو المكان المخصص للجلوس، وهو مثل مقعد كبير مبني من الطين أمام المنزل وملتصق به.
جاءت سعيده وجلست جواره ولكن بينهم مسافه، سألته:
_انا جئت أهو، خير يا صالح؟
ابتلع ما فى جوفه، تحدث بصوت متحشرج:
_أنا كنت عاوز أسأل عن آمنه، هي هتعيش في المنصوره على طول؟
تعبجت كثيراً من سؤاله، اليس هذا صالح الذى قال إنها انتهت من حياته، وأنه لن يسأل عنها، أو يهتم بأمرها، وأن كرامته أهم من حبه لها:
_وانت بتسأل ليه، مش خلاص كل حى راح لحاله، وخطبت غيرها، جاى عاوز إيه دلوقت؟!
تنهد بضعف وقال:
_مش قادر انساها، حسى بيا ياخاله، اللى قولته وقتها كان رد فعل طبيعى، كلميها واخليها ترجع، أنا بحبها، هسيب مكيدة واخطبها، اقنعيها والله ماهتلاقى حد يحبها أدى.
تبسمت بسخريه، يا لها من صدفه، جاء حمد بنفس الوقت، تهجمت ملامحه بغضب حين رأى صالح، ادعت سعيده أنها لم ترى ونظرت إلى صالح، قالت بصوت مسموع:
_جرى إيه ياصالح، قولنا انساها، آمنه خلاص مش راجعه هنا، هي ملهاش دعوه أنك بنحبها، لا أنك جاى تترجانى عشان اقنعها تجوزك، هي مش عاوزاك، أنت بقى في رأسك حاجه تانيه خاليها لنفسك.
تحدث صالح بتلقائيه:
_بس أنا بحبها، أنا محبتش في حياتي حد قداها، الله يباركلك ياخاله كلميها، عهد عليا مش هخليها تندم ابداً، هخاليها أسعد واحد في البلد، واللى يبصلها بعين.
قطعه حمد الذى وضع كفه على كتف صالح وقال بنبره حاده:
_مالك يا سرنجه، مش الست قالتلك أن العروسه مش عاوزاك، اتفضل قوم وحسك عينك تنطق إسم آمنه تانى، أنت فاهم ولا اخدك على بيت العمده.
أبعد صالح يد حمد الذى تفاجاه به، وقال بضيق:
_لمؤاخذه يا حج حمد أنت داخلك إيه، تخصك بأيه آمنه، أنت السبب أن عمى غريب رفض يدهانى.
تبسم حمد بتحدى وقال:
_وأنا كمان اللى همنعك تاخدها بعد موته، روح لحال سبيلك وانسى آمنه، لأنها مستحيل تكون ليك، القبول مش بالعافيه، وهي مش عاوزاك، ومش هتعوزك صدقنى.
ذاد غصب صالح:
_وانت عرفت منين، هي كانت قالتلك؟
وقفت سعيدة:
_لا قالتلى أنا، وأنت سمعت بودنك، رفضت الشبكه، والمهر، والدار اللى كنت هتجبهالها، أسمع كلام أبو محمد ، آمنه مش ليك.
لم ينتظر صالح وغادر، ألم شديد داخله، وسؤال، لما تكرهه هكذا، هو يحبها، يحبها حتى أكثر من نفسه.
حمد ينظر لاثره، ونار الغيرة قد احتلت قلبه، التفته لسعيده:
_الواد ده لو جه هنا تانى تقوليلى.
تبسمت بتوتر من نظراته الحاده، تحدثت بتعلثم:
_حاضر، آمنه ملهاش دعوه بيه، ده هو.
لم يترك لها المجال لتتحدث وغادر، غادر حتى قبل أن تعلم لما أتى.
أخذ حمد جواده ريحان، تحرك نحو أرضه، وصل حيث حارس، هبط عن ظهر ريحان وتوجها إليه، ونيران الغيرة لا تزال مشتعله بداخله، صاح بحارس:
_حارس تعاله عاوزك، هم بسرعه.
ركض إليه حارس بقلق:
_خير، مالك؟
قال حمد:
_تروح تعرفلى إذا كان حد من نواحى عيلتنا نازل المركز النهارده ولا لا، ساعه وتكون عندى، أنا لازم اروح لامنه.
سأله حارس:
_ليه هو أنت لحقت، هو حصل حاجه؟
انفعل حمد:
_اللى بقولك عليه تعمله مش عاوز أسأله، يلا وقف ليه؟
تحرك حارس سريعاً، فهو يعلم حمد حين يغضب لا يمكن لأحد التفاهم معه، أو تحمل طوفان انفعاله.
جلس حمد ينظر للفراغ، بعد أقل من ساعه عاد حارس وعلى ملامحه الضيق، جلس أمام حمد، فهم حمد أنه لن يمكنه الذهاب لها اليوم، سأله بصوت منخفض:
_مش هينفع النهارده، طب بكره؟
حرك حارس رأسه بنفى:
_ولا بكره، ولا بعده كمان، الرجل كتير ع المركز الأيام دى، أنت عارف ده ميعاد تسجيل الاسامى عشان التقاوى لزراعه الجديده.
أعاد حمد رأسه للخلف بخيبة أمل، رفع عينه نحو الشمس يتاملك كعادته، تبسم بسخريه على حاله، أصبحت زوجته، ورغم ذلك لا يستطيع أن يكون معها، نعم كان سيذهب لها بسبب غيرته عليها، ولكن هذا لا يمنع أنه مشتاق لها، مشتاق لرؤيتها، مشتاق ليضمها وتستنشق انفه رائحتها، رائحه عطرها الذى لم يستنشق أجمل منه بحياته، ورؤيه ابتسامتها، وتأمل عيونها السوداء وهي تنظر داخل عينيه بحب، والسعاده تملأ ملامح وجهها، وتعكس مشاعرها مشاعر الحب التي سكنت قلبها تجاهها، تحولت نظرته إلى نظرات عشق وكأنها أمامه، يرى ابتسامتها بالشمس، تبتسم له وتنادى عليه بصوتها الجميل، والمحبب لقلبه واذنه.
عند آمنه كانت تلهى نفسها بالجلوس مع الحاجه إحسان، مشتاقه لحمد، مشتاقه لنظراته، وحديثه معها، تشعر بغيابه بالغربه والخوف ، حين يكون معها تشعر بالأمان، قمة السعاده بوجوده.
مرة الأيام بطيئه على كليهما، أستمر غياب حمد أكثر من أسبوع، آمنه كعادتها بالايام السابقه، وقت الظهيره تعد الغداء لها ولست إحسان، التى غاب زوجها هو الآخر بسبب مرض أخيه، و اضطرار الحاج عبد المقصود للبقاء ببورسعيد مع أخيه لحين الاطمئنان عليه، وكان يحدثها يومياً بالهاتف ليطمئن عليها، وبالفعل اطمان حين علم أنها ليست بمفردها وآمنه معها.
تقف داخل مطبخها، وصوت العندليب الأسمر، يملأ المنزل وهو يغنى وهي تغنى معه.
آمنه بانسجام وكل تفكيرها بحمد:
_على قد الشوق اللى فى عيوني يا جميل سلم، أنا ياما عيوني عليك سألوني و ياما بتألم، وبخاف لتصدق يوم ل الناس واحتار، بأوصف للناس الجنه وانا فى النار، غالي عليا و ضي عينيا ارحم عذابي معاك.
كانت غافله عن ذالك العاشق، الذى أتى منذ قليل ولم تشعر به، أوتسمع صوت فتح الباب، بسبب صوت الراديو المرتفع واندمجها بالتفكير بالمحبوب.
أقترب ببطئ شديد وضم خسرها شهقت من المفاجأه، التفتت له، تبسمت، وشعرت بالأمان حين التقت عيونها مع عيونه.
تبسم وهو ينظر لها بشوق وحنين وقال:
_الليل سهرته والنوم يا ريته كحل عينيَّا، واللي داريته أوام لاقيته باين عليَّا،شبابي الغالي ضيعته، أناجي فى الهوا اسمك وأملي لما صورته، فى أجمل صوره كان رسمك، غالي عليا وضي عينيا ارحم عذابي معاك.
غاصت بخيالها تستعذب كلماته، فقط بسبب ذراعي الذي شدد بهم على خسرها لتتاوه بألم، جعل ابتسامته تزدادد بمكر، وهو يقول:
_مش قولنا بلاش أغانى عبد الحليم، انتى بتعندينى بقى؟
تبسمت بدلال وأخيراً نطقت:
_مقدرش والله، هو الرديوا اللى زعها، غبت عنى ليه بقى هو ده اتفاقنا؟
رفعت يديها لتطوق عنقه، رفع يده لتدعب أصابعه شعرها وقال:
_اشتقتلك أوى، أنا كل ليله أسمع عبدالحليم عشانك، وافتكر ضحكتك وأنتى بتقولى، بحب حليم وهسمعه.
ضغطت بأسنانها على شفتها السفليه، وقالت بحب وخجل:
_آه بحبه، بس بحبك أنت أكتر، أنت كنت مشتقلى أوى كده، بتسمع حليم عشانى.
تنهد بشوق وقال:
_أنا الطريق اللى بياخد حولى ساعتين، خدته أنا فى نص المده، شوقى ليكى ميتوصفش مهما قولت، أنا قلبي من يوم ماحبك معرفش غير أنه يتعذب من شوقه ليكى، آه من قلبي المشتاق ليكى
يتبع
نرمين_السعيد برنسيس_N
لقراءة الفصل السادس عشر
لقراءة الفصل السابق
